ابن الجوزي

46

زاد المسير في علم التفسير

( وأفوض أمري إلى الله ) أي : أرده ، وذلك أنهم تواعدوه لمخالفته دينهم ( إن الله بصير بالعباد ) أي : بأوليائه وأعدائه . ثم خرج المؤمن عنهم ، فطلبوه فلم يقدروا عليه ، ونجا مع موسى لما عبر البحر ، فذلك قوله [ تعالى ] : ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) أي : ما أرادوا به من الشر ( وحاق بآل فرعون ) لما لجوا في البحر ( سوء العذاب ) قال المفسرون : هو الغرق . قوله تعالى : ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) قال ابن مسعود وابن عباس : إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال : يا آل فرعون هذه داركم . وروى ابن جرير قال : حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير ، قال : حدثنا حماد بن محمد البلخي قال : سمعت الأوزاعي ، وسأله رجل ، فقال : رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية الغرب بيضا ، فوجا فوجا ، لا يعلم عددها إلا الله ، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا ، قال : وفطنتم إلى ذلك ؟ قال : نعم ، قال : إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا ، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء ، فينبت عليها من الليل رياش بيض ، وتتناثر السود ، ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا وعشيا ، فذلك دأبها في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) . وقد روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " . وهذه الآية تدل على عذاب القبر ، لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال : ( ويوم تقوم الساعة ادخلوا ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو بكر وأبان عن عاصم : " الساعة ادخلوا " بالضم وضم الخاء على معنى الأمر لهم بالدخول ، والابتداء على قراءة هؤلاء بضم الألف . وقرأ الباقون : بالقطع مع كسر الخاء على جهة الأمر للملائكة بإدخالهم ، وهؤلاء يبتدئون بفتح الألف . وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ( 47 ) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ( 48 ) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ( 49 ) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ( 50 )